لا تجد مُبدعاً في أي مجال من مجالات الإبداع الأدبي أو الفني سواء أكان شاعراً أو روائياً أو مطرباً أو فناناً تشكيلياً إلا ويشكو من الافتقار لوجود الناقد الخبير الذي يُنصفه ويُسلط بعض الضوء على إنتاجه الإبداعي المظلوم أو المُغيَّب، مع أن المشكلة في الواقع لا تتعلق بعدم وجود الناقد بقدر ما تتعلق بطبيعة فهمنا للنقد وتقبلنا له، فغالباً ما يكون المبدع (وغير المبدع أيضاً) راغباً في الاستماع إلى الإطراء الموجه له أو لتجربته بغض النظر عن قيمتها، ورافضاً لكل رأي سلبي يقوم فيه الناقد بوضع إصبعه على مواطن الضعف والقصور.
وإذا كانت ممارسة النقد هي المهمة الأصعب في جميع المجالات، كونها تتطلب قدراً كبيراً من الثقافة والحس النقدي والجرأة وامتلاك عمليات عقلية عديدة تتجاوز حدود الفهم السطحي والشرح، كالتحليل والمقارنة والموازنة والرصد الدقيق للظواهر، إلا أن النقد في ساحة الشعر الشعبي أصبح من أبسط الأمور وأيسرها، فكما يقول علي المسعودي ساخراً فإن النقد أصبح لدى العشرات من النقاد المزعومين للشعر الشعبي يتلخص في عبارات: "ونعم فيك، وفي اللابه اللي أنت منها، وبيّض الله وجهك على القصيدة"..!
فقد أعقب تكاثر الشعراء تكاثر مماثل في أعداد النقاد المزعومين وأصبحنا نقرأ كل يوم مانشيتات عريضة تقول: "الناقد فلان الفلاني يقول كذا" أو "الناقد الكبير فلان العلاني يفتح النار على شعراء الساحة الشعبية"، وعندما تقرأ ما قاله الناقد الكبير لا تجد سوى آراء وملاحظات ذوقية وانطباعية هزيلة لا تعكس لنا وعياً ولا خبرةً ولا ثقافة، ويُمكن أن يصدر ما هو أهم منها من أقل الناس معرفة ودراية بالشعر ونقده.
وأعتقد أن برامج مسابقات الشعر وما أتاحته من فرصة لنقد الشعراء المشاركين فيها، هي ما شجع على ظهور نقاد مزعومين لا يعرفون عن النقد الحقيقي غير اسمه؛ إذ كيف يجوز لبعض المحررين إطلاق لقب ناقد على شخص لا يملك غير بعض العبارات الإنشائية التي يجترها بعد أي قصيدة يستمع إليها، ودون أن يكون له أي تجربة أو رؤية نقدية نستطيع تلمسها من خلال مؤلفات مطبوعة أو على الأقل من خلال كتابات نقدية جيدة تُنشر بشكل متواتر؟!
أخيراً يقول المبدع مرزوق الروقي:
ما فالليالي سعه، والضيق يقفاه ضيق
غبر الليالي من يدور وراها سعه؟
السالي تحده وتقطع عليه الطريق
يسلى ولا يدري إلا والبلاوي معه
بقلم / بداح السبيعي جريدة الرياض |